الوضع في الصومال يدفع المتابع بالإكتئاب وعدم التصديق بما يجري هناك من حروب عبثية لا نهائية. فخفت صوت الحكمة والمنطق ولا صوت يعلو صوت الرصاص. المآسي الناتجة عن هذا الوضع يصعب سردها والحديث عنها؛ ليس لمرارتها فقط وانما لتكرارها لدرجة مملة، حيث نعيش تفاصيل تلك المأساة صباح مساء منذ ما يزيد عن العقدين ولا حل يلوح في الأفق بل الأطراف في الساحة عازمون أكثر من أي وقت مضى في الإستمرار على هذا الطريق الوعر، وكأنهم تعاهدوا في سوق البلاد والعباد إلى الفناء والإنتحار الجماعي.
الصومال ... بلد المفارقات والفوضى الإجتماعية والسياسية حيث تتداخل الصورة فالقبيلة وزعيم الحرب والمليشيات تجدهم تارة على شكل دولة ذات مؤسسات، وتارة على شكل طريقة صوفية مسلحة تسعى لاسترداد أمجاد غابرة، وأحياناً على شكل حكومات إقليمية، والجميع يتقن فن تسمية الأشياء بغير مسمياتها ، جو من التعقيد يصعب فهمه فضلاُ عن حله ، وهذا ما دفع أحدهم بالقول بأن المشكلة الصومالية من الضآلة والصغر بحيث لا يمكن إدراكها بالعين المجردة ، ومن التعقيد والصعوبة بحيث لا أحد في العالم لديه جواب لحلها.
الكثير يرجع إطالة المشكلة الصومالية وتعقيدها إلى عامل خارجي وقوى إقليمية في المنطقة ، ورغم صحة هذه الفرضية إلا أنه من البديهيات في عالم السياسة أن الدول تجري وراء تحقيق مصالحها بشتى الطرق والوسائل ومن مصلحة الدول المجاورة للصومال – كما هو معلن – عدم عودة الصومال كسابق عهده قوياً موحداً، لكن الغرابة تكمن في طريقة التفكير ، فبدل أن يفكر الصوماليون طريقة عملية لانتشال هذا الجسد المثخن بالجروح وتضميده ولم شمله يساهمون في التجهيز عليه وتعميق جروحه بدعوى محاربة المعارضة حسب الإنتقالية، أوبدعوى تطهير الأرض عن الكفرة والمفسدين حسب حركة الشباب، والجميع يخدمون بأفعالهم تلك مصالح أعداء الصومال من حيث لا يدرون.
أصبح الشعب بين مطرقة الشباب وسندان الحكومة، فلا الحكومة الإنتقالية مؤتمنة في قيادة هذه السفينة المتهالكة، نظراً لإستماد شرعيتها وشلناتها من قوى خارجية (مجتمع دولي ، دول الجوار ، منظمات غير حكومية ) ولا الشباب لديهم رؤية وإرادة لإيجاد مخرج من هذه الدوامة لغلوهم وإقصاءهم كل من يخالفهم الرأي أويحاول إبداء النصح من علماء ونخب غيورة لمستقبل الصومال بل والتصفية الجسدية لكل من تسول له نفسه مساءلة مشروعهم المشبوه.
آن الأوان لأن نقول للأطراف المتناحرة كفاكم إستخفافاً بدماء الأبرياء، كفاكم تدميراً لما تبقي من مقومات الوجود للأمة ، كفاكم تقطيعاً لأوصال البلد، فلقد طفح الكيل بالأمة ولم تعد تتحمل أكثر من ذلك.