الأحد، ٢٨ يناير ٢٠٠٧

الصومال ... سقوط مقدشو وحكومة على ظهر دبابة أثيوبية


*نهاية العام الماضي وبداية الجديد منه لا يبشران بخير لشعبنا الصومالي الذي مزقته الحروب والصراع الأهلي العبثي طيلة السنوات السبع عشرة الماضية. ففي الثامن والعشرين من ديسيمبر من العام الماضي دخلت القوات الأثيوبية العاصمة الصومالية وسقطت مقديشو من دون إطلاق رصاصة واحدة علي القوات الغازية التي إنتشرت
بسرعة مذهلة على جميع المناطق الجنوبية والوسطي للبلاد، وذلك بعد الهزيمة الساحقة المتوقعة التي منيت بها مليشيات المحاكم لإسلامية التي أعماها نشوة النصر السريع على أمراء الحرب عن توازنات القوى الإقليمية والدولية حولها وانتهت بنهاية مؤسفة درامية علي يد الجيش الإثيوبي المتفوق عددا وعتادا.صدمتني هذه الأخبار وكانت صدمتي أكبر عند ما شاهدت القوات الغازية تلوح علامات النصر لألاف الصوماليين الذين خرجوا إلى شوارع مقديشو لاستقبالهم. وهنا توارد إلى ذهني حكاية "الحمراوي" ساكن المدينة الذي لم ير في حياته ناقة تلد ثم أوردته الصدفة في يوم إلي سوق بيع المواشي فرأي ناقة تلد أي تضع فدهش مصدوما ثم أرسل قولته المشهورة في الأوساط الصومالية "من طال عمره رأي ناقة تنتج" وأصبحت مثلا يضرب علي كل من وقف على أمر غير متخيل وهنا يصبح المثل في حالتي من طال عمره رأي خروج اللألاف من الصوماليين إلى الشوارع لاستقبال القوات الأثيوبية المحتلة على عاصمتهم.

رحم الله مالك بن نبي المفكر الجزائري الذي قضى عمره في تحليل الواقع الإجتماعي للشعوب المستضعفة ومنها الشعوب العربية والإسلامية. القابلية للإستعمار نظرية إجتماعية ثابتة لاتتغير بتغير الزمان والمكان وضعها مالك، فهو يرى أن الشعوب المقهورة تتكون لديهم رغبة أو قابلية على حسب تعبيره للإستعمار فهي تنقاد إلي المحتل طواعية وتتبرع في إسداء خدمات مجانية إليه إذ لا استعمار بدون أفراد توافرت لديهم إستعدادات لقبول المستعمر.

القهر، الظلم، التسلط ، القمع والكبت .... هي البذور الضرورية لخلق شعوب ضعيفة تستمرئ الذل والهوان ولا تقدر قيمة الحرية والكرامة الإنسانية التي حرمت طعمها من أجل التسلط الداخلي. وهذا يفسر لنا ما يجري في العراق وأفغانستان وأخيرا الصومال فالبلدان الثلاث حرمت الشعوب من العيش الكريم تحت نخب حاكمة متسلطة إستأثرت بموارد البلاد لخدمة مصالحها الشخصية أو الطائفية وأذاقت الشعوب صنوفا من الإذلال والقهر الذي يقتل المناعة لدى المواطن لمواجهة التسلط الداخلي والعدوان الخارجي.

يقال رب ضارة نافعة، فالأمم في تاريخها تمر بمراحل إبتلاء واختبار تواجه تحديات هائلة تهدد وجودها وتكون بمثابة منبه يدفع إلى الإستجابة لتجاوزها. فالشعب الصومالي مر في تاريخه الحديث بتحديات كبيرة أهمها الإستعمار والنخب المتسلطة لتي تركها لتحل محله ثم سقوط الدولة ومؤسساتها ودخول الشعب في مرحلة التيه تحت لوردات الحرب ومليشياتهم. وقد أفرز الشعب لمواجهة تلك التحديات بحركات تحرر وطنية تحت قيادات وطنية بدءا من حركة الفتوحات التي قادها الإمام أحمد غري في القرن السادس عشر ضد التوسع الأمبراطوري الحبشي مرورا بحركة الدراويش بقيادة السيد محمد عبدالله حسن في بداية القرن العشرين ضد الإستعمار وثورات الشعب المتتالية ضد الإستبداد الداخلي بعد الإستقلال وانتهاءا بالإنتفاضة الشعبية الأخيرة بقيادة المحاكم الإسلامية ضد أمراء الحرب، ولاشك أن الغزو الأثيوبي الأخير إستفز الشعور الوطني القومي للشعب الصومالى وسوف تظهر حركات وطنية تواصل الكفاح وترفع راية التحرير.

التحرير الذي يحتاج إليه شعبنا ليس تحرير الأراضي فقط ولكن لا بد أن تواكب حركات المقاومة الوطنية حركة فكرية تنظر وتكون بمثابة بوصلة تهدي الكفاح الوطني وتضيئ له الطريق مهمتها الأولي تحرير الإنسان حيث يكون هو المركز، والدولة ليست غاية بحد ذاتها ولكنها أداة لخدمة الإنسان وليس العكس. يجب علينا أن نأخذ الدروس والعبر من تجارب الماضي فحركات الكفاح ضد الإستعمار الأجنبي ركزت جهودها كلها على تحرير الأراضي متوهمة أن نيل الإستقلال الوطني وحده يؤدي مباشرة إلي دولة وطنية حديثة تراعي حقوق المواطن وحرياته الأساسية ولكن الواقع برهن على خطأ هذا التقدير؛ إذ تحولت الدولة ومؤسساتها إلى ملكية خاصة لفئة من المواطنين تستخدمها لمنافعها الآنية فكانت النتيجة الطبيعية أن خسرنا الإنسان والأرض معا.

علينا أن لا نعيد أخطاء الماضي وأن لا يسلمنا اليأس إلي الإسراع في إعادة الدولة بكل ثمن من دون مصالحة وطنية حقيقية ومن دون مناقشة نوع الدولة التي نريد بناءها. فإذا كنا نريد دولة تعيد الأمن والإستقرار بالقوة العسكرية أو بملشيات مسلحة فإننا كنا ننعم بالأمن تحت حكومة الرئيس السابق سياد بري أو تحت مليشيات المحاكم الإشلامية أو يمكن حتى تحت الجيش الأثيوبي وحكومتها الإنتقالية. أما إذا أردنا دولة تعيد لنا الأمن والإستقرار ليس بسلطات بوليسية بل بمؤسسات دستورية يكون الحكم فيها للقانون والسيادة للشعب فإنا عندئذ ينبغى علينا أن نتروي ونتحلى بالصبر. روي بالآثار أنه لايلدغ المؤمن من جحر مرتين فنحن جربنا الإستبداد بشكليه الديني والسياسي ونجني الآن النتيجة المرة التي أفضي إليه لذلك ليس من لمعقول أن نعيد نفس السيناريو الذي أثبت فشله سابقا وأوصلنا إلى ما نحن فيه من تفتت وضياع ولا نريد أن نخسر نصف قرن آخر لنكتشف أخيرا أن الإستبداد بجميع أشكاله مهما لمع وجهه بشعارات وطنية أو دينية نتيجته الحتمية هي خسارة الوطن والمواطن.

إنني أتفاهم معاناة شعبنا الطويل وحاجته الماسة للدولة والأمن والإستقرار ولكني في الوقت نفسه لا أريد أن يكون كالصائم الذي أفطر بالميتة. ثورة الشعب ضد الإستبداد وما تلاه من حروب أهلية أكلت الأخضر واليابس وتشريد الملايين من شعبناإلى جهات العالم الأربع كل هذه تضحيات غالية لا يمكن أن تذهب سدى ثم يجازي الإستبداد ومجرمو الحرب المسئولون عن الكارثة الإنسانية التي أصابت شعبنا. نريد أن نخرج من هذه الكارثة بوعي وطني أقوي وبمصالحة ومصارحة وطنية تضمد الجروح وتتجاوز الأحقاد، تليها مناقشة حرة مفتوحة للوصول إلى بناء دولة مؤسساتية دستورية يشارك فيها جميع شرائح المجتمع المختلفة، عندها فقط يكون معني لدماء الشهداء الذين سقطوا في طريق الكفاح ضد الإستعمار والإستبداد ومجرمي الحرب وعندها فقط يكون معنى لمعاناة شعبنا ويسود الأمن والإستقرار والسلام والعدل.

إن القوات الأثيوبية دخلت الصومال بدعم بل بمشاركة أمريكية علنية وبمباركة دولية وإقليمية وعلي المجتمع الدولي أن يمارس مسؤولياته ويتخذ خطوات تدفع الأمور إلى الإتجاه الصحيح. أولى هذه الخطوات أن يضغط علي إثيوبيا للخروج بقواتها كليا من الصومال في أقرب وقت ممكن. ثانيا إرسال قوات حفظ السلام الإفريقية قبل انسحاب القوات الإثيوبية حتى لا يتسبب ذلك فراغ أمني يؤدي إلي انفلات أمني. ثالثا مساندة القوات الأفريقية بقوات أممية إذ أن القوات الإفريقية ليس لديها الإمكانيات والموارد اللازمة لتنفيذ هذه المهمة وحدها ودورها في دارفور يكفي مثالا. رابعا أن تضغط على الحكومة الإنتقالية لتوسيع دائرة المشاركة السياسية لجميع فئات المجتمع المختلفة. وهنا يستحق التنويه والتشجيع موقف دول الإتحاد الأوربي والإدارة الأمريكية بربطهما أي مساعدة للحكومة بشرط قبولها أولا الجلوس على مائدةالمفاضات مع خصومها السياسيين.

يبدو أن امريكا تعلمت أخطاءها في العراق وأفغانستان حين لجأت إلي ملاحقة قيادات حركة طالبان دون تمييز المتشددين منهم والمعتدلين و قامت بحظر الحزب البعثي العراقي ومطاردة كوادره وإقصائه من المشاركة السياسية. إكتشف الأمريكيون أخيرا فشل هذه السياسة إذ أن حركة طالبان نجحت في إعادة تجميع صفوفها وتحظي بتأييد شعبي في مناطق واسعة من البلاد، وكذلك البعثيون إنخرطوا في صفوف المقاومة العراقية مما جعل الإدارة الأمريكية تخشى أن تعيد المحاكم الإسلامية نفس السيناريو في الصومال وهو ما يفسر لنا الموقف الأمريكي المساند للتفاوض مع القيادات المعتدلة للمحاكم.

وكلمة أخيرة أقولها للحكومة الإنتقالية، الإستقواء بالأجنبي مآله الفشل الذريع وهناك حكومات قبلكم دخلت عواصمها على ظهر دبابات أمريكية قبل أن تدخلوها أنتم على ظهر دبابة أثيوبية وما زالو إلى يومنا هذا في داخل الدبابة التي جاءت بهم إلى القصر الرئاسى كما أن قصركم الرئاسي فيلا صوماليا يتعرض لقصف أو تبادل إطلاق شبه يومي. خذوا نصيحة مبعوث الأمم المتحدة فرانسوا فول إليكم في أخر جولة له إلى الصومال " كان هناك كثير من الجرائم وكثير من الدمار لكنكم اذا نظرتم للوراء وقلتم.. هذا الرجل قتل ابني أو زوجي.. فلن تتحقق المصالحة في هذه البلاد أبدا." وأضاف "علينا أن نترك الحساب لله. فالله واحد القادر على محاسبة كل فرد."

هذه نصيحة رجل حكيم خبر السياسة وتقلباتها ويبدو أنه لاحظ بألمعيته وفراسته السديدة رغبة المسؤولين الكبار في الحكومة بالإنتقام من خصومهم السياسيين وفقدانهم لأبسط صفات القيادة الحكيمة فى الأوقات العصيبة وهي العفو والتسامح وبدء مصالحة وطنية شاملة بدل الإقصاء والطرد كما عاملوا به رئيس البرلمان ورفض التفاوض مع الجناح المعتدل من المحاكم مما يدل علي أن القيادات العليا للحكومة الإنتقالية ليسوا علي مستوى المسئوولية المناطة بهم وهم مشغولون على تصفية حسابات وأحقاد شخصية رخيصة.

*عبدالواحد عبدالله شافعى
كاتب صومالي

ليست هناك تعليقات: